ابن عجيبة

486

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فَأَعْرَضُوا عن الشكر ، بتكذيب أنبيائهم ، وكفر نعمة اللّه عليهم . وقالوا : ما نعرف للّه علينا من نعمة ، عائذا باللّه . قال وهب : بعث اللّه إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا ، يدعونهم إلى اللّه تعالى ، فكذّبوهم « 1 » ، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ أي : سيل الأمر العرم ، أي : الصعب . من : عرم الرجل فهو عارم ، وعرم : إذا شرس خلقه وصعب ، أي : أرسلنا عليهم سيلا شديدا ، مزّق سدهم ، وغرق بساتينهم . قيل : جمع عرمة ، وهي السد الذي يمسك الماء إلى وقت حاجته . قال ابن عباس رضي اللّه عنه : كان هذا السد يسقى جنتها ، وبنته بلقيس ؛ لأنها لمّا ملكت جعل قومها يقتتلون على ماء مواشيهم ، فنهتهم ، فأبوا ، فنزلت عن ملكها ، فلما كثر الشرّ بينهم أرادوها أن ترجع إلى ملكها ، فأبت ، فقالوا : لترجعى أو لنقتلنك ، فجاءت ، وأمرت بواديهم فسد أعلاه بالعرم ، وهو المسنّاة - بلغة حمير - فسدت ما بين الجبلين بالصخر والنار ، وجعلت له أبوابا ثلاثة ، بعضها فوق بعض ، وبنت من دونه بركة عظيمة ، وجعلت فيها اثنى عشر مخرجا ، على عدة أنهارهم . فلما جاء المطر اجتمع ماء الصخر وأودية اليمن ، فاحتبس السيل من وراء السدّ ، ففتحت الباب الأعلى ، وجرى ماؤه في البركة ، وألقت البقر فيها ، فخرج بعض البقر أسرع من بعض ، فلم تزل تضيق تلك الأنهار ، وترسل البقر في الماء ، حتى خرجت جميعا معا ، فكانت تقسمه بينهم على ذلك ، حتى كان من شأنها وشأن سليمان ما كان . فكانوا يسقون من الباب الأعلى ، ثم من الثاني ، ثم من الأسفل ، فلا ينفد حتى يثوب الماء من السنة المقبلة . فلما كفروا وطغوا ، سلط اللّه عليهم جرذا ، يسمى الخلد - وهو الفأر - فنقبه من أسفله ، فغرّق الماء جنتهم ، وخرّب أرضهم . ه « 2 » . قال وهب : وكانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة ، فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا عندها هرا ، فلما حان ما أراد اللّه بهم ، أقبلت فأرة حمراء ، إلى بعض تلك الهرر ، فساورتها - أي : حاربتها ، حتى استأخرت عنها - أي : عن تلك الفرجة - الهرة ، فدخلت في الفرجة التي كات عندها ، ونقبت السد ، حتى أوهنته للسيل ، وهم لا يدرون ، فلما جاء السيل دخل في تلك الخلل ، حتى بلغ السد ، فخربه ، وفاض على أموالهم ، فغرقتها ، ودفن بيوتهم ، ومزقوا ، حتى صاروا مثلا عند العرب ، فقالوا : تفرقوا أيادي سبأ . ه « 3 » . وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ المذكورتين جَنَّتَيْنِ أخريين . وتسمية المبدلتين جنتين للمشاكلة وازدواج الكلام ، كقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها « 4 » . ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ الأكل : الثمر المأكول ، يخفف ويثقل . والخمط ، قال ابن عباس : شجر الأراك « 5 » ، وقال أبو عبيد : كل شجر مؤذ مشوّك . وقال الزجاج : كل شجر مر . ه . وفي القاموس :

--> ( 1 ) أخرجه الطبري ( 22 / 78 ) . ( 2 ) ذكره الطبري ( 22 / 79 ) والبغوي ( 6 / 394 ) . ( 3 ) أخرجه الطبري ( 22 / 80 ) بنحوه ، عن وهب . ( 4 ) الآية 40 من سورة الشورى . ( 5 ) أخرجه الطبري ( 22 / 81 ) .